بربروس سلطان البحر الأبيض القصة التاريخية
المقدمة
ظلّت شخصية القائد البحري العثماني "خير الدين بربروس" حبيسة الكتب وطيّ النسيان والجهل، وساهم في ذلك تعرّضها للافتراءات والتشويه والتزييف من قبل المؤرخين الغربيين.
فلو سألت عن "باربروسا" ذي اللحية الحمراء والعين الواحدة والقدم الخشبية، ستجده في أفلام هوليوود القرصان "بربروس" المصوّر بصورة وحشية ودموية.
إلا أن الحقيقة أن خير الدين بربروس لم يقصد البحر طمعًا في كنز مدفون أو سفينة غارقة، بل قصده طمعًا في ما هو أثمن من ذلك بكثير؛ إنقاذ المسلمين المستضعفين ومحاربة الأعداء الذين يكيدون للإسلام ليل نهار
لمْ يكنْ خيرُ الدينِ بربروسَ نجماً عابراً في سماءِ النصفِ الأوَّلِ من القرنِ السادسَ عشرَ الميلاديّ، كانَ مدرسةً خلَّفَتْ آثاراً عميقةً في الجزائرِ وشماليِّ إفريقيا والدولةِ العثمانيةِ عامَّةً. بدأَ في التجارةِ والْتَفَتَ وإخوَتَهُ إلى الجهادِ البحريِّ بفعلِ القرصنةِ التي كانَ يُمارِسُهَا فرسانُ رودسَ خاصّةً والقوى الصليبيّةِ الأخرى في المتوسطِ، فتعلَّمَ القتالَ وفنونَ الحربِ بنفسِهِ، ثمَّ قيادةَ السفنِ الحربيَّةِ، ثمَّ قيادةَ قوَّاتٍ بحريَّةٍ بإمْرَتِهِ، ثمَّ إمارةَ قلعةٍ، فإمارةَ ولايةٍ بما فيهَا منْ تنظيمٍ وإدارةٍ وسياسةٍ وتجييش جيوشٍ وتدريبِهَا وقيادَتِها، ثمَّ إدارةَ الأسطولِ العثمانيِّ بأجمعِهِ بما فيهِ رسمُ السياسةِ البحريَّةِ لدولةٍ عُظْمَى بحجْمِ الدولةِ العثمانيَّةِ وتخطيطِهَا وإدارَتِهَا، ونجحَ في ذاكَ كلِّهِ. كانتْ لهُ كاريزْمَا شخصيَّةٍ مميَّزَةٍ فتخرَّجَ على يديْهِ قباطنةٌ عِظامٌ وإداريُّونَ كبارٌ كربيبِهِ حسنٌ نائبَهُ على الجزائرِ، وابنِهِ حسنٌ والي الجزائرِ لثلاثِ مرّاتٍ، ثمَّ قبطانِ باشا الأسطولِ، وصهْرِهِ طرغودَ ريّس والي طرابُلسِ الغربِ ومحرِّرِها منْ فرسانِ مالطا، وسنانِ ريّس، وبيري ريّس، وآيدين ريّس، وصالحِ ريّس والي الجزائرِ ومحرَّرِ بُجَّايَةَ وكوردغلو ريّس ودلي محمدِ ريّس ومرادِ ريّس وغيرِهِم كُثُر. ولمْ تكُ هزائِمُهُ هيِّنَةً لكنْ قليلةً بالمقارنةِ بما حقَّقَهُ لأنَّهُ عَرفَ دائماً بالجهدِ والمواظبةِ والعملِ الدؤوبِ كيفَ يُحوِّلُ الهزيمةَ إلى نصرٍ، ومعَ كونِهِ مُخطِّطاً بارِعاً كانَ منفِّذاً جيِّداً أيضاً، فمعْ أنَّهُ لمْ يكُ ضابطَ مدفعيةٍ لكنَّهُ استخدَمَها بكَفاءَةٍ كما في بروزةَ، ولمْ يكُ يسمحُ لعدوِّهُ أنْ يجُرَّهُ إلى ميدانٍ يَخْبُرُه أكثرَ منهُ، فهوَ لمْ يسمحْ في بروزةَ بالمواجهةِ إلاَّ في البحرِ المفتوحِ ليستطيعَ استغلالَ إمكاناتِ سفنِهِ الخفيفةِ في سرعةِ الحركةِ والمناورةِ ويَحْرِمَ خصمَهُ من ميّزَةِ سفنِهِ الضخمةِ البطيئةِ ضعيفةِ المناورةِ، وعندما خسرَ الأسطولُ العثمانيُّ في ليبانتَ (1571) -لرفضِ قائدِهِ نصيحةَ قباطنتِهِ بعدمِ الاشتباكِ في المضيقِ والخروجِ للبحرِ المفتوحِ- كانَ والي الجزائرِ قلج علي باشا (بالتركية: Kılıç Ali) قائدُ المَيْسَرَةِ تلميذُ طرغودَ ريّس -الذي يُمكنُ عدُّهُ منَ الجيلِ الثاني لهذي المدرسةِ- وفيَّاً لهذهِ المبادئِ فاستطاعَ بمناوراتٍ ماهرةٍ أنْ يُدَمّرَ أسطولَ فرسانِ مالطا وينجوَ بأسطولِهِ (الجزائرِيِّ) سليماً ما دفعَ السلطانَ لأنْ يجمعَ لهُ منصِبَيْ قيادةِ الأسطولِ وإيالةِ الجزائرِ بعدَ مقتلِ قائدِ الأسطولِ في تلكَ المعركةِ.